محمد أبو زهرة
1756
زهرة التفاسير
وفي الآيات السابقة أكد الأمر بطاعة الله تعالى ، وبين أن أعلى الدرجات أن يطيع المؤمن الله ورسوله ، ولو أمره بأن يتقدم لإعلان الحق والنطق به ، وهو يعلم أنه سيقتل . وإذا تكونت الأمة ذلك التكوين العادل الأمين ، تقدمت للدفاع عن نفسها ، ولذلك جاء بعده أخذ الأهبة للقتال ، فقد قال سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً يا أيها الذين أذعنوا للحق ، واستجابوا لله ولرسوله ، خذوا الأهبة بالحذر واتقاء أذى الأعداء ، وكونوا متأهبين للقاء دائما ، ولا يكن أخذ الحذر والاحتراس بالقعود في الديار ، بل بالنفرة والاستعداد لمواجهة الأعداء في الميدان . فعلى المؤمنين أن ينفروا للحرب ، جماعة بعد جماعة ، تمر بالثغور التي تواجه الأعداء ، أو تلاقى من تستطيع لقاءه منهم . أو إذا تكاثف العدو في مكان ، وأصبحت لا تكفيه جماعة الجند العامل ، فلينفر الجند كله ، وليتقدم للميدان بكلكله « 1 » ، وهذا معنى النص الكريم بالإجمال ولنتجه إلى تحليل بعض العبارات من ناحية اللفظ والمعنى . وأولى هذه العبارات قوله تعالى : خُذُوا حِذْرَكُمْ ، فقد قال الزمخشري : « إن الحذر والحذر معناهما واحد ، ويقال : أخذ حذره إذا تيقظ واحترس . ومعنى خذوا حذركم ، أي خذوا ما فيه الاحتياط لكم ، ودفع كل مخوف عنكم » ، وقد ذكر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده : « أن من أخذ الحذر تعرف حال البلاد الإسلامية ، وتعرف حال بلاد الأعداء ، أو من يتوقع منهم الاعتداء ، وتعرف بلاد المعاهدين وغيرهم ، بحيث إذا اضطروا إلى الحرب كانوا عالمين بمواطن قوتها وأماكن ضعفها » . وذكر رضي الله عنه « أنه يدخل في الاستعداد وأخذ الحذر ، واتقاء كل مخوف معرفة الأسلحة واستعمالها فإذا كان ذلك يتوقف على معرفة الهندسة والكيمياء والطبيعة وجر الأثقال ، فإنه يجب تحصيل ذلك » . ولقد قال الإمام هذا في أول هذا القرن الذي يعيش فيه ، وهو ألزم في هذا العصر الذي
--> ( 1 ) الكلكل : الصدر من كل شئ . لسان العرب .